الرئيسية | أقلام حرة | أمن المغرب يعيد رسم توازنات المتوسط والساحل: معادلة استباقية في مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية

أمن المغرب يعيد رسم توازنات المتوسط والساحل: معادلة استباقية في مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
أمن المغرب يعيد رسم توازنات المتوسط والساحل: معادلة استباقية في مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية
 

في عام 2026، أصبح أمن المغرب ليس مجرد خط دفاع وطني، بل عمودا أساسيا في استقرار المتوسط بأكمله، من مضيق جبل طارق إلى سواحل جنوب أوروبا. تقارير الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تؤكد أن استقرار الرباط أصبح ضمانة مباشرة لأمن الضفة الشمالية، خاصة مع تصاعد تحديات الهجرة غير النظامية والإرهاب. لم يعد المغرب مجرد دولة حدودية، بل تحول إلى فاعل استراتيجي يعيد تشكيل المعادلة الأمنية الإقليمية، مدعوما بدبلوماسية نشطة وقدرات ميدانية متقدمة.

في 8 و9 فبراير 2026، احتضنت السفارة الأمريكية في مدريد اجتماعا رباعيا تاريخيا جمع المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو وموريتانيا، برعاية المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، وتحت قيادة مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولوس، والسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز. لم يكن هذا اجتماع مراقبين، بل مشاورات مباشرة بين الأطراف، وهو الأول من نوعه منذ 2019. يأتي هذا الاجتماع بعد أشهر قليلة من اعتماد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي جدد ولاية بعثة مينورسو حتى أكتوبر 2026، وأشار صراحة إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي، الذي قدمه المغرب عام 2007، كأساس واقعي للحل السياسي، مع الإشارة إلى أن "الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية" يمثل "الحل الأكثر قابلية للتحقيق". صوت 11 عضوا لصالح القرار، وامتنعت ثلاث دول (الصين وباكستان وروسيا)، بينما لم تشارك الجزائر في التصويت.

هذا التحول يعكس انتقال إسبانيا والمجتمع الدولي من موقف الحياد إلى الشراكة الأمنية الصريحة. أمن المغرب أصبح امتدادا مباشرا لأمن المضيق، خاصة مع ارتباطه بخطوط الطاقة والتجارة عبر المتوسط. إسبانيا، التي تعاني من ضغط الهجرة، أدركت أن استقرار الرباط هو الدرع الفعلي لأوروبا الجنوبية.

لم يعد بإمكان الجزائر الادعاء بأنها مجرد مراقب. حضورها الفعلي في مدريد، ومشاركتها في المشاورات الرباعية، يكشف أنها طرف مباشر في النزاع، يخضع لضغوط أمريكية متزايدة. التراجع النسبي في حدة الخطاب الجزائري الرسمي، والقبول بالجلوس إلى طاولة واحدة مع المغرب، يعود جزئيا إلى القرار 2797 والدعم الدولي المتزايد للمقترح المغربي. غير أن هذا التحول لم يمر دون مقاومة. بعض الدوائر الجزائرية لجأت إلى حملات إعلامية رقمية لمهاجمة الولايات المتحدة، محاولة إعادة توجيه الصراع نحو "الفاعل الخارجي". هذا السلوك يعكس، في العمق، انتقال الجزائر من موقع "الفاعل غير المعلن" إلى "الطرف المكشوف"، مع كلفة سياسية ودبلوماسية متزايدة. البوليساريو نفسه يجد نفسه أمام واقع متغير. المقترح المغربي للحكم الذاتي يحظى بدعم دولي متزايد، مما يضيق هامش المناورة ويجعل أي تصعيد عسكري أو إعلامي ذا كلفة باهظة.

في موازاة الضغط الدبلوماسي، برزت مؤشرات على محاولات اختراق إقليمي من قبل الحرس الثوري الإيراني. تقارير استخباراتية وإعلامية دولية تشير إلى نشاط متزايد لعناصر مرتبطة بالحرس الثوري في غرب إفريقيا، عبر مسارات غير مباشرة تشمل الجزائر وموريتانيا. هذه التحركات تتجاوز الدعم اللوجستي التقليدي للبوليساريو، وتشمل تدريبات عسكرية غير تقليدية، ونقل تكنولوجيا، ومحاولات زرع شبكات أيديولوجية. السياق التاريخي يعزز هذه المخاوف، إذ سبق أن تورطت عناصر إيرانية في تسليح بعض الفاعلين في تندوف، ووجود خبراء من حزب الله في المخيمات. في ظل الحرب المعلوماتية الجديدة، أصبح الفضاء الرقمي ساحة موازية، حيث ينتشر محتوى مفبرك باستخدام الذكاء الاصطناعي يهدف إلى رفع التوتر وإرباك صناع القرار.

وفي هذا الإطار، بدا التوجس الغربي أكثر وضوحا حيال ما تصفه أجهزة استخبارات في أوروبا والولايات المتحدة بـ"تنقل دبلوماسي إيراني مرن" بين الجزائر العاصمة ونواكشوط، وهو توجس يعكس قدرة هذه التحركات على استخدام مسارات شبه رسمية لإعداد أنشطة تخريبية محتملة. وقد أكدت التقارير أن طهران لم تكتف بإظهار النفوذ الدبلوماسي، بل توعدت صراحة حلفاء الولايات المتحدة وإسرائيل بعمليات قد تستهدف مصالحهم الإقليمية، ما يرفع من أهمية متابعة تحركاتها بدقة.

رغم هذه التحديات، يظل المغرب حجر الزاوية في المعادلة الإقليمية، بفضل قدرته المكتسبة على حماية حدوده ومصالحه الحيوية، ومهاراته الاستباقية في مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية. فالخبرات الاستخباراتية المتراكمة، والتنسيق الفعال بين مختلف الأجهزة الأمنية والمخابراتية المغربية، بالإضافة إلى شراكات المغرب الاستراتيجية مع الدول الأوروبية وحلفائه في الساحل، تجعل من الرباط مركز ثقة قادر على التصدي لأي تحركات تخريبية محتملة، وضمان استقرار الفضاء المتوسطي الإفريقي، دون الحاجة إلى تدخلات خارجية.

ويظل أمن المغرب حجر الزاوية في هذه المعادلة. خلال 2025، أحبطت السلطات المغربية أكثر من 42,400 محاولة هجرة غير نظامية، وفككت أكثر من 188 شبكة تهريب بشري. هذا الجهد ساهم في انخفاض الوصول غير النظامي إلى إسبانيا بنسبة 42.6%، مما خفف الضغط عن أوروبا وأكد دور المغرب كشريك أساسي للاتحاد الأوروبي. كما سجل المغرب غيابا شبه تام للعمليات الإرهابية الكبرى، بفضل النهج الاستباقي للمكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ) والتنسيق الدولي. مشاركة المغرب في مناورات "الأسد الإفريقي" مع حلف شمال الأطلسي تكرس جاهزية عالية وتنسيقا متعدد الأطراف.

لعبت المخابرات المغربية، ممثلة في المديرية العامة للدراسات والتوثيق (DGED) بقيادة محمد ياسين المنصوري، دورا محوريا في دول الساحل الإفريقي (مالي، النيجر، بوركينا فاسو). ساهمت الـDGED في تحرير رهائن غربيين ومغاربة، مثل إطلاق سراح أربعة سائقي شاحنات مغاربة في مالي عام 2025، بالتنسيق المباشر مع الوكالة الأمنية المالية، ووساطة ناجحة في إطلاق سراح جواسيس فرنسيين في بوركينا فاسو، بالإضافة إلى دعم الجيش النيجري في تحييد قادة جماعات إرهابية مثل بوكو حرام وعمليات أخرى.

أصبحت الرباط مركز تنسيق استخباراتي رئيسي لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، من خلال تبادل المعلومات الدقيقة، وتدريب القوات المحلية، ووساطات دبلوماسية سرية مع الأنظمة الانتقالية، مما جعل المغرب "برج المراقبة الأمني" للساحل-المتوسط، وقلل من نفوذ الجماعات المتطرفة العابرة للحدود.

أما في أوروبا، فقد أثبتت المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، بإدارة عبد اللطيف الحموشي، شراكتها الاستراتيجية الاستثنائية مع الدول الأوروبية، خاصة إسبانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا. من خلال الاجتماعات الثلاثية المنتظمة وتبادل المعلومات الاستخباراتية الآني، ساهمت في تفكيك شبكات الإرهاب والتهريب المرتبطة بالساحل، وإحباط آلاف محاولات الهجرة غير النظامية، ومنع هجمات محتملة قبل تنفيذها.

هذا التعاون الوثيق جعل المغرب الشريك الأساسي للاتحاد الأوروبي في حماية المتوسط، حيث يُثنى عليه رسميا في تقارير الاتحاد كـ"الدرع الفعال" ضد التهديدات الإرهابية والمخدرات القادمة من الجنوب. ويعود هذا الإنجاز الاستثنائي إلى تناغم تام يشبه الأوركسترا المتناسقة تحت إدارة قائد واحد، حيث تعمل كل الأجهزة الأمنية والمخابراتية والعسكرية المغربية، من الـDGED والـDGST إلى القوات المسلحة الملكية والمكتب المركزي للأبحاث القضائية، بتنسيق محكم وكأنها جسد واحد، تحت القيادة الحكيمة والمباشرة لجلالة الملك محمد السادس، مما يحول الرباط إلى نموذج فريد من الاستباقية الاستراتيجية عالية الفعالية.

لا يمكن فهم دور المغرب بمعزل عن التحولات الأوسع في إفريقيا. القارة بدأت بلورة نموذج أمني جديد يجمع بين البعد المؤسسي والاستجابة الميدانية. من أبرز عناصر هذا النموذج إعادة دمج المقاتلين الأجانب عبر مسارات قانونية منظمة، تقوم على ثلاث مراحل أساسية: المحاكمة العادلة أمام محاكم وطنية، ثم برامج التأهيل النفسي والاجتماعي والمهني لإعادة اندماجهم في المجتمع، وأخيرا نظام مراقبة مستمر يعتمد على التتبع الإلكتروني والتقارير الدورية. إداريا، يتطلب ذلك تنسيقا بين وزارات العدل والداخلية والشؤون الاجتماعية، وبناء قواعد بيانات دقيقة ومشتركة لتتبع كل حالة على حدة.

وفي السياق نفسه، برزت أهمية إنشاء وحدات تنسيق مشتركة بين الأجهزة الأمنية والقضائية، تعتمد على مؤشرات أداء واضحة ومحددة لقياس الفعالية. هذه الوحدات سمحت بتفكيك الخلايا الإرهابية قبل تنفيذ عملياتها، مما يمثل انتقالا نوعيا نحو الاستباقية الكاملة بدلا من الرد اللاحق. على المستوى الإقليمي، اتجهت الدول الإفريقية نحو تشكيل قوى أمنية موحدة، تعمل وفق مقاربات مرنة تراعي الخصوصيات المحلية لكل بلد، وتعزز التنسيق الحدودي في مواجهة الجماعات المسلحة العابرة للحدود. هذه القوى ليست نسخة طبق الأصل من النماذج الغربية، بل نماذج هجينة تدمج بين التقنيات الحديثة والمعارف التقليدية للمجتمعات المحلية.

وبالتوازي، أصبح ربط الأمن بالتنمية محورا أساسيا في استراتيجيات الاتحاد الإفريقي. يسعى الاتحاد إلى إرساء آليات تمويل مستدامة تدعم برامج التعليم والتشغيل والتنمية المجتمعية، بهدف معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية للتطرف، بدلا من الاكتفاء بالحلول الأمنية التقليدية التي لا تعالج الأسباب العميقة. كما تواجه القارة تحديا متصاعدا في مجال الحرب الرقمية، مما دفعها إلى تطوير وحدات متخصصة لرصد المحتوى المتطرف ومكافحة التضليل الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي. وتشمل هذه الجهود سن تشريعات حديثة للتعامل مع الأدلة الرقمية، وتدريب متخصصين على كشف الصور والفيديوهات المفبركة، للحد من تأثير المنصات الإلكترونية في نشر الدعاية المتطرفة ورفع منسوب التوتر.

أما على صعيد تأمين البنى التحتية الحيوية، فقد أصبحت أولوية استراتيجية من خلال تنظيم تدريبات مشتركة مدنية-عسكرية، ووضع خطط طوارئ شاملة تضمن استمرارية الإمدادات الحيوية مثل الطاقة والمياه والنقل والصحة، وتقلل من أثر أي تهديد محتمل، سواء كان إرهابيا أو طبيعيا.

في قلب هذا النموذج الإفريقي الجديد، يقدم المغرب نموذجا عمليا متكاملا يجمع بين السيادة الوطنية والتنمية الشاملة والاستقرار الأمني، تحت القيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس.

أمن المغرب لم يعد شأنا وطنيا فقط، بل أصبح عنصرا مركزيا في استقرار المتوسط وإفريقيا. بين ضغوط التسوية الدبلوماسية (مدريد + قرار 2797) ومحاولات الاختراق الإيرانية المستمرة عبر مسارات غير تقليدية، تتشكل مرحلة جديدة تعكس إعادة توزيع أدوار القوة في المنطقة.

وفي ضوء ما سبق، تتشكل ملامح معادلة إقليمية جديدة تعكس إعادة توزيع تدريجية للأدوار والنفوذ في المنطقة، في ظل تداخل المسارات الدبلوماسية مع التحديات الأمنية غير التقليدية. وفي هذا السياق، يظل تطور هذا المسار رهينا بمدى قدرة مختلف الأطراف على التفاعل مع المبادرات المطروحة، واستيعاب التحولات الجارية ضمن مقاربة واقعية توازن بين متطلبات الاستقرار وحسابات السيادة. وبذلك، يبرز الدور الذي يضطلع به المغرب كأحد العناصر المؤثرة في معادلة الاستقرار الإقليمي، خاصة على مستوى الفضاءين المتوسطي والإفريقي، مؤكدا قدرته على حماية حدوده ومصالحه الاستراتيجية في مواجهة كل التحديات.

وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال البعد الدولي المتنامي للدور المغربي، حيث يندرج ضمن إعادة تعريف أدوار الحلفاء الإقليميين لإعطاء دينامية أوسع لإعادة تشكيل منظومات السلم والأمن على المستوى العالمي، خاصة في ظل المبادرات التي برزت خلال إدارة دونالد ترامب، والتي سعت إلى إعادة ترتيب أولويات الاستقرار الإقليمي عبر مقاربات براغماتية قائمة على الشراكات الثنائية وتعزيز أدوار القوى الإقليمية الصاعدة. وفي هذا السياق، يبرز المغرب كفاعل موثوق وشريك استراتيجي في دعم جهود السلم والاستقرار، من خلال انخراطه في مختلف المبادرات الأمنية والدبلوماسية متعددة الأطراف، بما يعزز موقعه كركيزة أساسية في منظومة الأمن الإقليمي والدولي، وكجسر توازن بين الفضاءين المتوسطي والإفريقي.

وفي ظل هذه التحولات، لم يعد المغرب مجرد فاعل داخل معادلة الأمن الإقليمي، بل أحد أبرز صانعيها ومحددي اتجاهاتها.

 

*هفتي ضرار: كاتب ومحلل سياسي واستراتيجي مغربي متخصص في الأمن الإقليمي والتحولات الجيوسياسية، حاصل على ماجستير في القانون العام والعلوم السياسية، ويكتب في عدد من المنابر الإعلامية المغربية.

مجموع المشاهدات: 149524 |  مشاركة في:

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة